عبد السلام مقبل المجيدي

72

تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم

المبحث الأول : كيفية مجىء جبريل عليه السّلام إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند تلقينه الوحي القرآني « 1 » : يدرس هذا المبحث هيئة مجيء جبريل عليه السّلام ليلقي الوحي القرآني من أول أمر اللّه سبحانه وتعالى له بالنزول حتى إلقائه القرآن على قلب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقد وصف القرآن الكريم هيئة مجيء جبريل عليه السّلام إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند إبلاغه الوحي القرآني وصفا دقيقا ، وكان جل ذلك الوصف في سورة النجم « 2 » ، التي صدّرت آياتها بإعلاء شأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بيانا للإرادة الإلهية في اختياره للنبوة ، وإبلاغ كلام اللّه للناس ، والهجوم على قادح في ذلك يلقيه شياطين الإنس والجن . . . فلما قال عزّ وجل إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى " النجم / 4 " ، استؤنف الكلام استئنافا بيانيا ، كأنه قيل : فكيف يأتيه هذا الوحي ؟ ، ومن يأتيه به ؟ ، وكيف يلقيه إليه فيعيه ، ولا يفارقنا ؟ ، وكيف يأتيه الوحي القرآني وهو كلام اللّه عزّ وجل ، فيطيقه وهو بشر ؟ ، فقال اللّه سبحانه وتعالى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى . . . " النجم / 5 " ، فسورة النجم : " مقصودها ذم الهوى ، لإنتاجه الضلال والعمى . . . والحث على اتباع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في نذارته التي بينتها سورة ( ق ) ، وصدقتها سورة الذاريات ، وأوقعتها وعينتها الطور " « 3 » .

--> ( 1 ) المراد المجيء الخاص لأجل الوحي القرآني ، فليلحظ هذا الاختلاف بين ما ذكر هنا وما ذكر في المبحث الثالث من الفصل الثاني . ( 2 ) ولا ينكر منكر على البحث إظهار كيفية تعليم الوحي للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم من جبريل عليه السّلام من خلال هذه الآيات فقد ذكر ذلك عدد من أرباب التفسير ، قال أبو السعود في تفسيره ( 5 / 43 ) ، مرجع سابق : " في قوله تعالى فَاسْتَوى عطف على عَلَّمَهُ بطريق التفسير ، فإنه إلى قوله تعالى ما أَوْحى بيان لكيفية التعليم " ، فإن اعترض بأن هذا وصف للوحي في حالين فقط كان فيهما جبريل عليه السّلام بخلقته الأصلية ، وليس وصفا للوحي بصورته الدائمة ، فالجواب : فليكن كذلك ، وكما وصف اتصال جبريل عليه السّلام بذلك في حالين ، هو دأبه في اتصاله به دائما ، ما خلا صورته الأصلية ؛ إذ قام الدليل على حصرها ، ولا دليل على حصر بقية الأوصاف في هذه السورة في الحالين ، على أن الوحي القرآني النازل على القلب ، يأخذ صورة غير الصورة التي يأتيه فيها الملك بصورة رجل ، كما هو ظاهر من وصف نزوله بالقرآن بأنه ( على القلب ) . ( 3 ) انظر : نظم الدرر في تناسب الآيات والسور 19 / 40 ، مرجع سابق .